سهيلة عبد الباعث الترجمان
150
نظرية وحدة الوجود بين ابن عربي والجيلي
لدى أفلاطون الذي يجعل الصور المثلى في الملأ الأعلى أقدم الكائنات وأكملها ، فرأي أفلاطون في الكائنات كان أمرا روحيا إذن ، ومن أجل ذلك كان أقرب إلى ما يريده أصحاب المذاهب الدينية « 1 » . وهكذا فإن فلسفة أفلوطين تسير في طريقين : طريق صوفي صاعد ، غايته الاتحاد بالواحد أو اللّه ، وطريق عقلي ميتافيزيقي هابط يشرح فيه أفلوطين كيفية صدور الموجودات عن الواحد . وقد تكوّن من تفلسفه في المشكلة الأولى ما يعرف ب " واحد أفلوطين " ومن تفلسفه في الثانية ما يعرف ب " وحدة الوجود عنده أيضا " « 2 » . وفي المسيحية بدأت مشكلة العالم عند أو غسطين متصلة اتصالا وثيقا بمشكلة " اللّه " فهو يرجع الموجودات من حيث وجودها إلى علة عاقلة مدبّرة . أما مشكلة " اللّه " ، فإن أو غسطين يرى أن هناك موجود أزلي أبدي وهو اللّه ، والوجود والماهية شيء واحد ، فلذا يرى أن فكرة اللّه الموجودة في نفوسنا تقتضي وجوده أيضا . وهذا الوجود بالمعنى الأفلاطوني هو الشيء الحقيقي الذي يمكن أن يتصف به اللّه ، كما يرى أن اللّه لا يمكن أن يدرك أو يوصف ، وكل تشبيه بينه وبين الإنسان باطل « 3 » . أما اسكوت أوريجين فقد كان على العكس من القديس أو غسطين ، لا يؤمن بأن اللّه عال على العالم . بل كان يؤمن بأن اللّه هو الكل في الكل ، وأن الإله يحتوي الطبيعة كلها ، فهي هو ، وإليه يرجع كل شيء « 4 » . وهذه الطبيعة عند أوريجين تنقسم ، ولكن ليست كقسمتها إلى أجناس وأنواع وأفراد ، بل هي مقسّمة لموجود واحد ، وهذا التقسيم ليس تحليلا فحسب ، بل هو تركيب في نفس الآن ، فإذا قسمت الأشياء إلى أجناس وأنواع وأفراد كان لا بد أن ترتفع من الأفراد إلى الأجناس ، والطبيعة هي دائما الكل في الكل وهي اللّه « 5 » .
--> ( 1 ) فروخ ( عمر ) ، الفلسفة اليونانية في طريقها إلى العرب ، مرجع سابق ، ص . ص 121 - 122 . ( 2 ) البهيّ ( محمد ) ، الجانب الإلهي في التفكير الإسلامي ، مصر ، 1945 م / 1365 ه ، ص . ص 122 - 123 . ( 3 ) بدوي ( عبد الرحمن ) ، فلسفة العصور الوسطى ، ص 25 وما بعدها . ( 4 ) المرجع السابق ، ص 51 . ( 5 ) المرجع السابق ، ص 54 .